السيد محمد تقي المدرسي

94

كيف نبني حضارتنا الإسلامية؟

والجواب : لأنه لم يكن يجد الحاجة إلى ذلك في نفسه ، فقدرات الإنسان إنما تتفجر حينما يجد صاحبها الحاجة الفعلية إليها . فالحاجة أمّ الاختراع ، وأم العلم ، والإنسان لا يتحرك باتجاه شيء إلا حينما يكون بحاجة إليه ، فاكتشافه للقمح كان بسبب حاجته إليه ليسد به جوعه ، وإكتشافه لطريقة بناء البيوت كان بسبب حاجته إليها ليحتمي بها من الحر والبرد والشمس والرياح ، واكتشافه للسلاح كان بسبب حاجته إليه ليدافع عن نفسه ضد العدو ، وهكذا . . إن حاجات بعض الناس في الحياة محدودة ، لذلك حينما يصلون إليها ، تنتهي دوافعهم النفسية للتقدم . فهم لا يريدون من الدنيا إلا العفاف والكفاف . . قرصين من الخبز ، وطمرين من اللباس ، وشبرين من الأرض . إن مثل هؤلاء الناس لا يكونون عادة نشطين ، لأنهم يعملون من أجل أن يوفروا هذه الحاجات البسيطة ، التي لا يهدفون تحقيق أمور أكبر منها في الحياة ، وحينما يحصلون عليها ، تتجمد طاقاتهم التي تحولت إلى إمكانات فعلية . الحضارات وليدة الحاجة والحضارات في التاريخ إنما نمت في البلاد الباردة جدا ، أو في البلاد التي كانت قريبة من الغابات حسب ما يذكره المؤرخون ، وبالتالي حيث كان الخطر فيها على الإنسان كبيرا . والسبب لأن شعور الإنسان بالخطر كان يولد لديه حاجات شديدة تدفعه إلى العمل . اما في المناطق ذات المناخ المعتدل ، والتي كان الإنسان يجد فيها حاجاته ميسّرة كالطعام والمأوى والراحة ، لذلك لم يكن يخشى من أخطار أو من ظروف الطقس الصعبة ، فإنه لم يكن يجهد ليقي نفسه منها .